تخيّل أنك في صالة السينما، والمقاتلون الفريمن يرفعون أسلحتهم ويهتفون بلغة غريبة. الترجمة على الشاشة تقول: «عاش المقاتلون!».
لكن في الرواية الأصلية، التي صدرت عام 1965، لم يكن الهتاف غريبًا إلى هذا الحد. كان مكتوبًا هكذا: Ya hya chouhada.
اقرأها بصوت عالٍ. إن كنت مغاربيًا فسيمر في ذهنك صدى تعرفه جيدًا: «يحيا الشهداء».
هذه ليست صدفة لغوية. وهذه الجملة الصغيرة تفتح بابًا على سؤال أكبر: كيف دخل جزء من ذاكرتنا إلى واحدة من أشهر ملاحم الخيال العلمي؟ ولماذا لم يصل إلى الشاشة كما كان؟

هتاف من حرب الاستقلال… في رواية أمريكية
فرانك هربرت كاتب أمريكي، وروايته تدور بعد آلاف السنين في مجرة بعيدة. ومع ذلك يقول الأنثروبولوجي مانفير سينغ، أستاذ جامعة كاليفورنيا في ديفيس، في مقاله الشهير بمجلة «نيويوركر» عن اللغات الخيالية في «دوون»، إن هذه العبارة إشارة إلى هتاف احتفالي من حرب الاستقلال الجزائرية، كتبها هربرت بصياغة متأثرة بالفرنسية.
وتذكّر بأن الجزائر نالت استقلالها عام 1962، أي قبل صدور الرواية بثلاث سنوات فقط. كان العالم ما زال يتابع أخبار الثورات التي تطرد الإمبراطوريات القديمة، وكان هربرت يكتب عن شعب صحراوي تستغل قوة عظمى أرضه وثروته الوحيدة.
المعنى هنا واضح: الفريمن ليسوا مجرد «سكان غرباء». إنهم شعب يقاوم، ولغة مقاومتهم مستعارة من مقاومة حقيقية.
ليست كلمة واحدة
الهتاف الجزائري هو الأشهر، لكنه ليس الوحيد.
اسم المهدي يظهر في الرواية، وكذلك لسان الغيب الذي يُطلق على بول أتريديس. حتى حرب «الجهاد البتلري» الشهيرة في تاريخ الرواية، التي تدور ضد الآلات المفكرة، تحمل كلمة عربية الأصل في اسمها.
أما اسم «مؤدِّب» (Muad’Dib)، الذي يُعرف به بول بين الفريمن، فقد درسته كارين رايدينغ، أستاذة اللغة العربية المتقاعدة من جامعة جورجتاون، في فصل بعنوان «عربية دوون». وبحسب ما نُقل عنها في «نيويورك تايمز»، فالاسم قريب من كلمة عربية تعني المعلّم. وفي الرواية نفسها هو اسم فأر الصحراء الذي يعيش في أراكس.
يعني ذلك أن هربرت لم يرش بعض الكلمات العربية على قصته للزينة. لقد بنى بها طبقة كاملة من الدين والنبوءة والبقاء في الصحراء.
لماذا اختفى الهتاف من الفيلم؟
في «دوون: الجزء الثاني» يُقال الهتاف بلغة «الشاكوبسا»، وهي لغة مصطنعة صنعها اللغوي ديفيد جي. بيترسون خصيصًا للأفلام.
وحجة بيترسون مفهومة: إذا كانت الأحداث تقع بعد عشرة آلاف عام، فمن غير المنطقي أن تبقى العربية المعاصرة كما هي. اللغات تتغير حتى تصبح غير مفهومة.
لكن النقاد يردون بحجة مختلفة. فالباحث هاريس دوراني، الذي كتب عن علاقة «دوون» بالتاريخ الإسلامي، يرى أن حذف الهتاف الجزائري يمحو إلهامًا تاريخيًا محددًا استند إليه هربرت. وبرأيه فإن جمال الرواية أصلًا في أننا نتعرف داخلها على آثار من ماضينا، لا في أن المستقبل غريب تمامًا.
والمفارقة أن بعض الكلمات بقيت. فبحسب «فارايتي»، لا تزال «مهدي» و«لسان الغيب» تُسمعان في سيناريو الجزء الثاني. أي أن الأفلام أخذت من العربية ما يمنح الحكاية هيبة النبوءة، وتركت منها ما يربطها بمقاومة حقيقية.
الصحراء حاضرة… والعرب خارج الكادر
لم يكن الجدل لغويًا فقط.
صُوّرت أجزاء من الفيلم في الأردن وأبوظبي، وتظهر على الشاشة ملامح وأزياء ورموز تذكّر بالمنطقة. لكن مجلة «فارايتي» نقلت في مارس 2024 انتقادات من العاملين في مجال التمثيل لضعف حضور الممثلين العرب وأبناء شمال أفريقيا في الأدوار الناطقة.
قالت سيرينا راسول، مؤسسة شركة «MA Casting» لاختيار الممثلين: «فرصة ضائعة لتكريم ثقافة المنطقة وتراثها الغني». أما أماني الخطيب، مؤسسة موقع «MuslimGirl»، فلفتت إلى تناقض مألوف: حين يحتاج الإنتاج إلى شرير من الشرق الأوسط يجد الممثلين بسهولة، وحين يتعلق الأمر بالأدوار الإيجابية يتحدث عن قلة المواهب.
وتشير التقارير إلى أن الممثلة سهيلة يعقوب، ذات الأصول التونسية، كانت الاستثناء الأبرز بين أدوار الفريمن الناطقة.
ومن الإنصاف أن نقول إن المخرج دينيس فيلنوف دافع عن اختياراته سابقًا، وقال إنه حاول أن يبقى وفيًا للصور التي رسمها الكتاب في مخيلته. لكن سؤال النقاد لا يتعلق بنيّته، بل بالنتيجة: من يملك حق الظهور داخل القصة التي استلهمت ثقافته؟
وبول؟ البطل الذي أراد هربرت أن نحذره
هنا يصبح الجدل أكثر عمقًا.
من السهل أن نقرأ «دوون» كحكاية عن شاب غريب يصل إلى شعب مضطهد فيقوده إلى النصر. لكن هربرت قال في مناسبات عدة إنه أراد العكس: تحذير القراء من القائد الذي يتبعه الناس بلا مساءلة.
ولهذا كتب بعد الرواية الأولى «مسيح دوون»، حيث يظهر ثمن تلك الزعامة.
وهذا بالضبط ما سيعرضه «دوون: الجزء الثالث»، المقرر في 18 ديسمبر 2026 (وفي بعض الدول بدءًا من 16 ديسمبر). الفيلم مقتبس عن «مسيح دوون»، ووفق الملخص الرسمي تدور أحداثه بعد ما يقارب عقدين من استيلاء بول على الإمبراطورية، وهو الآن حاكم مطارد برؤى انهيار إمبراطوريته، بينما تقف تشاني في قلب مؤامرة تحيط به.
المفارقة قاسية: القصة التي تحذّر من المخلّص تُحكى بعد أن حُذف منها بعض ما يربط الفريمن بمقاومة حقيقية. وهذا لا يعني أن الفيلم بلا قيمة، لكنه يعني أن الأسئلة التي تجاهلها الجزء الثاني لا تزال مطروحة.
ما الذي يخصّنا في كل هذا؟
لا ينبغي أن نقرأ «دوون» على أنها «قصتنا». هربرت أخذ من مصادر كثيرة، من كثبان أوريغون إلى تاريخ الإمبراطوريات والأديان، ثم صنع عالمًا خياليًا خاصًا به.
لكن في المقابل، ليس من المبالغة أن نسأل: حين تُستعار أسماؤنا ورموزنا وهتافاتنا، هل يحق لنا أن نكون جزءًا من الحكاية؟
والسؤال الآخر أصعب: كم عالمًا خياليًا صنعناه نحن بلغتنا وذاكرتنا حتى يجد العالم نفسه يبحث فيه عن أثرنا؟
ربما لا يكون الهتاف الجزائري على أراكس مجرد حاشية طريفة. ربما هو دعوة صغيرة لنا: أن نكتب حكاياتنا بأنفسنا قبل أن يكتبها غيرنا.
فإذا شاهدت الجزء الثالث هذا الشهر، فانتبه للكلمات. أي منها ما زال عربيًا؟ وأيها اختفى؟ اكتب لنا في التعليقات.
المصادر
- مانفير سينغ، «Dune and the Delicate Art of Making Fictional Languages»، مجلة «نيويوركر»، 2024.
- كارين كريستينا رايدينغ، «The Arabic of Dune»، وما نُقل عنها في «نيويورك تايمز».
- هاريس دوراني، تعليقات وكتابات عن الجذور الإسلامية والجزائرية في «دوون».
- «Variety»، «Dune 2 Criticized for Lack of Middle Eastern and North African Inclusion and Influences»، مارس 2024.
- بيانات «وارنر براذرز» الرسمية عن «دوون: الجزء الثالث» (الملخص وموعد العرض).
- «Oregon Encyclopedia»، مدخل «Herbert, Frank, and the Dune Series»، عن رحلة هربرت إلى فلورنس عام 1957.